ابن قيم الجوزية
489
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
منزلة الحياء ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الحياء » . قال اللّه تعالى : أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ( 14 ) [ العلق : 14 ] وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [ النّساء : 1 ] وقال تعالى : يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ( 19 ) [ غافر : 19 ] . وفي الصحيح من حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « مرّ برجل - وهو يعظ أخاه في الحياء - فقال : دعه . فإن الحياء من الإيمان » . وفيهما عن عمران بن حصين رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الحياء لا يأتي إلا بخير » . وفيهما عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . أنه قال : « الإيمان بضع وسبعون شعبة - أو بضع وستون شعبة - فأفضلها : قول لا إله إلا اللّه ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق . والحياء شعبة من الإيمان » . وفيهما عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أنه قال : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها ، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه » . وفي الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم : « إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستح فاصنع ما شئت » وفي هذا قولان : أحدهما : أنه أمر تهديد . ومعناه الخبر ، أي من لم يستح صنع ما شاء . والثاني : أنه أمر إباحة . أي انظر إلى الفعل الذي تريد أن تفعله . فإن كان مما لا يستحيى منه فافعله . والأول أصح ، وهو قول الأكثرين . وفي « الترمذي » مرفوعا : « استحيوا من اللّه حق الحياء . قالوا : إنا نستحي يا رسول اللّه ، قال : ليس ذلكم ، ولكن من استحيى من اللّه حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى . وليحفظ البطن وما حوى ، وليذكر الموت والبلى . ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ، فمن فعل ذلك فقد استحيى من اللّه حق الحياء » . تعريف الحياء و « الحياء » من الحياة . ومنه « الحيا » للمطر ، لكن هو مقصور . وعلى حسب حياة القلب يكون فيه قوة خلق الحياء . وقلة الحياء من موت القلب والروح . فكلما كان القلب أحيى كان الحياء أتم . قال الجنيد - رحمه اللّه : الحياء رؤية الآلاء . ورؤية التقصير ، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء ، وحقيقته خلق يبعث على ترك القبائح . ويمنع من التفريط في حق صاحب الحق . ومن كلام بعض الحكماء : أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيى منه . وعمارة القلب : بالهيبة والحياء . فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خير . وقال ذو النون : الحياء وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربك ، والحب ينطق والحياء يسكت . والخوف يقلق .